الحارث المحاسبي
297
الرعاية لحقوق الله
وأولى بالمريد ، وإن كان تجزيه النيّة الأولى ، أن يجددها عند كل عمل ، وذلك أنور للعمل في قلبه ، وأبعد له من الغفلة وأحرى إن خطرت خطرة رياء علم بها فلم يقبلها . وإذا لم يجدد النيّة لم يكن في العمل كمن ذكر اللّه عزّ وجلّ وحده وذكر الثواب وأهاج الأمل في قلبه ، ولأن من لم يذكر ذلك ولم يجدد نيّة كان أقرب إلى الغفلة والسهو ، ولا يؤمن عليه قبول الخطرة وهو لا يعلم ، فأولى به تجديد النيّة عند كل عمل ، وإن كانت تلك الأولى مجزية ، ومع ذلك أنه إنما تجزيه في الطاعات المسمّيات في الكتاب والسنة ، كالجنازة تمرّ به فيقوم لها ؛ لأنها طاعة ، وإن لم يذكر النيّة ، وكالصلاة يقوم إليها ، أو كالصدقة وقراءة القرآن . فأما ما ليس اسمه بطاعة إلا أن يريد به الطاعة فلا يجزى حتى يجدد النيّة مثل : سؤال الرجل إياه في حاجة يقضيها له من حوائج الدنيا ، أو دعاه إلى طعام ، أو زيارة ، أو أشباه ذلك ، فذلك يكون للدنيا ويكون للّه عزّ وجلّ ، وليس اسمه طاعة ، إنما يكون طاعة إذا أراد اللّه به ، فلا يجزيه إلا أن يجدد نيّة عند ذلك ؛ لأنها ليست بطاعة ، فيكون إنما أهاجه اسمها ومعرفته بأنها طاعة لربه عزّ وجلّ ، إلا أن يكون العبد معتادا بعض ما ذكرنا أو ما أشبهه مما ليس اسمه طاعة إلا أن يراد اللّه عزّ وجلّ به ، فإن كان العبد معتاده ، وقد قدم النيّة فيه للّه عزّ وجلّ فذلك كالرجل قد حسنت منه النيّة في القيام بحوائج الناس ، يريد اللّه عزّ وجل وحده بذلك ، فذلك يجزيه ما تقدّم من نيّته ؛ لأنه وإن لم يكن اسمه طاعة فقد ألزم قلبه النيّة للّه عزّ وجلّ بذلك ، وهو في عادته ومعرفته وما ألزم نفسه كالصدقة . وأما ما لم يقدم فيه نيّته لم يجزه إلا في أربعة : في العالم ، والعابد ، أو